محمود بن حمزة الكرماني
60
اسرار التكرار في القرآن
بدون مبرر قوى ، وبراهين واضحة . وهو ليس كتاب تشريع وأخلاق فحسب ، فالتشريع والأخلاق لا بدّ لهما من فلسفة قوية يقومان عليها ، والمشرع الأخلاقي يجب أن يكون فيلسوفا ، فلا يمكن أن يحث القرآن على الزهد إن لم يتحدث عن قيمة الحياة الآخرة ، والخلود ، والبعث ، وهذه مسائل فلسفية ، كما أن القرآن لا يمكن أن يبشر بالتوحيد إن لم يطرق البحث في الخالق وصفاته وهذه مسائل فلسفية . فالقرآن تعرض لكل بحوث الفلسفة ، فتكلم في اللّه وصفاته ، وعرض للروح ، وبحث في الخلود والبعث ، وصور للإنسان مثلا أعلى يجب أن ينشده ، واختط له طريقا يجب أن يسلكه » . ويقول دريبر : « إننا لندهش حين نرى في مؤلفات المسلمين من الآراء العالمية ما كنا نظنه من نتائج العلم الحديث في هذا العصر ، ومن هذا : إن مذهب النشوء والارتقاء للكائنات العضوية الذي يعتبر مذهبا حديثا كان يدرّس في مدارسهم ، ولقد أحس المسلمون إحساسا صادقا بتطور الحياة ، حتى إن الفقه الإسلامي ذاته تطبيق عملي لفكرة التطور البشرى وذلك أن مهمته الدائمة هي البحث عن حلول جديدة للمشكلات المتطورة المستجدة ، مستمدة من أصول الدين وروحه . . ولو كان رجال الدين في أوروبا على هذا الفهم الناجح في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر لما صدمتهم بحوث العالم الجديدة ، ولما قامت النفرة بينهم وبين العلم ، تلك النفرة التي أودت بأوربا كلها ، وتكاد تؤدى بالإنسانية كلها نحو الهاوية » . وأخيرا نسوق قول الأستاذ العقاد يؤيد الإعجاز الروحي والمعنوي للقرآن في صورة ما يسمى الآن بالديمقراطية مذهبا سياسيا قرره الإسلام في صورته المثلى . يقول : « معجزة أن تنبت الديمقراطية الإسلامية في تربة الصحراء لا في تربة الحضارة ، ولكنها معجزة إلهية مثلها في الظهور بين الجاهلين كمثل الإيمان بالإله الواحد الأحد الذي لا يحابى قوما